فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 544
أقوال: والمادّة تدور حول معنى الأنس، وهو ضدّ الوحشة، يقال:
أنس واستأنس وتأنّس.
ويلاحظ في البيان ذكر إحياء الأرض بالنّبات قبل ذكر الأنعام، وذكر الأنعام قبل ذكر الأناسيّ، ولا يخفى ما في هذا من مراعاة للتّرتيب الطّبيعيّ في الواقع وفي الخلق، فالماء ينبت النّباتات، والأنعام تأكل من النباتات وتشرب من الماء، والأناسيّ يأكلون من الّزرع ومن الأنعام، ويشربون من ألبان الأنعام ويشربون من الماء، فجاء في البيان امتنان اللّه على النّاس بالماء الذي ينبت لهم به النّبات، فيقيت ويسقي لهم الأنعام، ويقيتهم من النبات والأنعام ويسقيهم، فما جاء في النصّ هو التّرتيب المناسب تماما.
يضاف إلى هذا أنّ مرحلة تكوين إنبات النّبات في الأرض كانت سابقة لتكوين الأنعام، وأنّ مرحلة تكوين الأنعام والأحياء الأخرى كانت سابقة لتكوين الإنسان، فجاء البيان ملائما لهذا الواقع أيضا.
كثيرا: يقال لغة: كثر الشّيء يكثر كثرة وكثارة فهو كثير، وكثّر اللّه الشّيء جعله كثيرا.
ويلاحظ أنّه جاء وصف أَنْعامًا وَأَناسِيَ في النّصّ بالمفرد المذكّر"كثيرا"فما السبب؟.
قالوا: لفظ"كثير"معناه معنى الجمع، إذ الكثرة المستفادة من مادّة الكلمة دلّت على المعنى الذي يدلّ عليه الجمع، فأغنى المفرد فيه عن الجمع.
أقول: يضاف إلى هذا ما سبق ذكره عند قوله تعالى: وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا. [من الآية: 38] من أنّ صيغة"فعيل"ولو كانت بمعنى"فاعل"قد تعامل معاملة صيغة"فعيل"بمعنى"مفعول"فيستوى فيها المذكر