معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 422
وقد يكون وصفها بأنّها كنّس لأنّها تجذب إليها الغبار والكتل الصّخريّة الّتي خلّفتها نجوم أو كواكب انفجرت وتناثرت أجزاؤها، فهي بمثابة الكانس الذي يكنس القمامات، واللّه أعلم.
إنّ عالم النجوم الذي تعتبر شمسنا نجما متوسط الحجم من نجومه الّتي لا تحصيها المخلوقات، عالم عظيم مدهش محيّر لأولي الألباب، والبحث فيه، والتّفكّر فيما انبثّ فيه من آيات اللّه الجليلة لا بدّ أن يهدي المتفكّرين المنصفين إلى الإيمان بالخالق الرّبّ جلّ جلاله، والإيمان بعلمه المحيط بكلّ شيء، وحكمته العظيمة، وقدرته التي لا يعجزها شيء في السّماوات ولا في الأرض، وإتقان صنعه البالغ ذروة الكمال.
فالقسم بالنّجوم هو في الحقيقة قسم بصفات اللّه الجليلة الّتي تعتبر النجوم إحدى ظواهر خلق اللّه لكونه.
ثانيا: آية اللّيل إذا عسعس، الّتي دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ:
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (17) .
يقال لغة: عسعس اللّيل، إذا أقبل من أوّله، ويقال أيضا: عسعس اللّيل، إذا أدبر عند أواخره، فهو من الأضداد.
والآية تحمل عليهما جميعا، لأنّ ظاهرة اللّيل عند إقباله وعند إدباره متشابهة، وهي تلفت نظر أهل البحث العلميّ إلى قضيّة علميّة تنظيميّة فيها إتقان وحكمة من قضايا نظام الكون البديع، وهي تدلّ على أنّ اللّه جلّ جلاله عليم قدير حكيم، وهي أثر من آثار دوران الأرض حول نفسها تجاه الشمس، ولهذا يتطابق إقبال اللّيل مع إدباره، وللإيجاز في اللّفظ اختيرت كلمة"عسعس"الدّالة على الأمرين معا. واللّه أعلم.
ثالثا: آية الصّبح إذا تنفّس، التي دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ:
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. (18)