فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 563
رابعا:
وأخيرا نزل نصّ سورة (الرّحمن) في أواسط المرحلة المدنيّة، وفيه حديث عن البحرين اللّذين يلتقيان، ومع التقائهما يوجد بينهما برزخ فاصل، فهو مانع لهما من التّمازج، لكنّه لم يوصف بأنّه محجور، أيّ:
ممنوع من أن يختلط هو بهما، إذ ليس هو ممّا يظنّ فيه قابليّة الانحلال والاختلاط. ومع التقاء هذين البحرين أيضا يظلّ كلّ واحد منهما عند حدّه، فلا يبغي أحدهما، على الآخر، فيغيّر من خصائصه، ومن نسبة العناصر المختلطة فيه.
وقد وصف في هذا النّصّ هذان البحران بأنّهما يخرج منهما اللّؤلؤ والمرجان، إشارة إلى أنّ كلّا منهما ملح أجاج، إذ من المعروف أنّ اللّؤلؤ والمرجان يستخرجان عادة من البحر الملح الأجاج.
وتحيّر المفسّرون في فهم المراد بهذه الآية.
* هل المراد بالبحرين بحر الماء العذب الفرات، والملح الأجاج، وذلك في ظاهرة دخول مياه الأنهر في مياه البحار، ونحو ذلك، إذ يستمرّ الماء العذب الفرات على صفاته مسافة طويلة قبل أن يمتزج بماء البحر؟.
وأخذ الباحثون من علماء العلوم الإنسانية يفسّرون هذه الظاهرة بما يسمّى بقانون"المطّ السّطحي"الذي يفصل بين السائلين، لأنّ تجاذب الجزيئات يختلف من سائل إلى آخر، ولهذا يحتفظ كلّ سائل باستقلاله في مجاله.
* أم المراد شيء آخر غير ذلك؟
ثم جاءت الكشوف العلميّة المعاصرة، فأثبتت أنّ في البحار الموصوفة بأنّها ملح أجاج ظاهرة البحرين اللّذين يلتقيان، وبينهما برزخ، أي: فاصل، وهما لا يبغيان، أي: لا يبغي كلّ واحد منهما على جاره، ويخرج منهما اللّؤلؤ والمرجان.