فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 572
* وفي الآية (52) أمر اللّه عزّ وجلّ رسوله بأمرين:
الأمر الأول: ألّا يطيع الكافرين في شيء من مطالبهم ومقترحاتهم التّعنّتيّة الّتي سبق في السّورة بيان طائفة منها.
الأمر الثاني: أن يضاعف مجاهدته للكافرين بما في القرآن من إقناع وترغيب وترهيب وتربية، نظرا إلى أنّه ما زال أمر استجابة بعضهم مطلبا مرجوّا، ولم يصل بعد إلى حالة ميؤوس منها.
* وبعد وضوح وجود مؤمنين وكافرين في أمّة الدّعوة جاءت الآية (56) تبيّن للرّسول أنّ وظيفته منحصرة في كونه مبشّرا ونذيرا، ودلّ حصر وظيفته في هذين الأمرين التّبشير والإنذار- وهما الحلقة الأخيرة من سلسلة التّبليغ والتّعليم والإقناع واتّخاذ كلّ الوسائل الّتي يرجى بها استجابة المدعوّين، عن طريق اختيارهم الحرّ، دون إكراه ولا إلزام ولا جبر- على أنّه صلوات اللّه عليه ليس مسؤولا عن التّغيير والتّحويل في واقع النّاس، لأنّهم ممتحنون في الحياة الدّنيا، والممتحن لا بدّ أن يكون غير مجبور ولا مكروه، إذ الإيمان يجب أن يكون بالاختيار الحرّ، وكذلك مقتضيات الإيمان، ومن يأبى فإنّه يأبى أيضا باختياره الحرّ، فقال اللّه له:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) .
في هذه الجملة حصر لإرسال الرسول بالتّبشير والإنذار، ولكن لمّا كان التّبشير والإنذار إنّما يكونان بعد سلسلة أعمال يقوم بها الرسول، يبرز منها التبليغ والتّعليم والإقناع والصّبر على الأذى، واتّخاذ كلّ الوسائل الّتي يرجى بها استجابة المدعوّين عن طريق اختيارهم الحرّ، فإنّ حلقات هذه السّلسلة السّابقة للتّبشير والإنذار داخلة في المحصور بأداة الحصر"ما"و"إلّا".
* ولتأكيد إزالة عقبة اتّهام الرّسول بالمصلحة الشّخصيّة من دعوته،