فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 573
واتّهامه بأنّه يسعى ليحصل عليها من الّذين يستجيبون له، قال اللّه عزّ وجلّ له:
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ... (57) .
فأمره أن يعلن للنّاس بالعبارة الصّريحة الواضحة أنّه ما يسأل أحدا من النّاس أجرا على ما يقوم به من مجاهدة لإنقاذهم من عذاب اللّه، ولهدايتهم إلى سبيل سعادتهم في الدّنيا والآخرة.
مِنْ أَجْرٍ:"من"حرف جرّ زيد للتّنصيص على العموم، ولفظ"أجر"مفعول به منصوب محلّا مجرور لفظا.
وما جاء في هذه الآية هو التّكليف الرّبّاني الثّاني للرسول حول هذا الموضوع، أمّا التكليف الأوّل فقد جاء في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) في قول اللّه عزّ وجلّ له:
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ... (86) .
وقد جاء هذا تعقيبا على اتّهام ملأ قومه له الّذي جاء بيانه في صدر سورة (ص) بقوله تعالى فيها:
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) .
أي: يراد لمصلحة شخصيّة من أمور الدّنيا.
لكنّ التأكيد الّذي جاء في سورة (الفرقان) لم يكن مجرّد تأكيد، بل جاء مقترنا بإضافة تتعلّق بالمؤمنين، وهذه الإضافة قد تضمّنت استثناء ما يريد المؤمنون أن يتقرّبوا به إلى ربّهم، من إكرامات للرّسول قد يبدو في ظاهرها أنّها بمثابة الأجر له، على جهاده من أجل خيرهم وسعادتهم، كالصّلاة والتّسليم عليه، والدّعاء له، وكتقديم بعض الهدايا والخدمات، والتّضحيات من أجل حمايته ونصرته والدّفاع عنه، ونحو ذلك، فقال اللّه عزّ وجلّ له: