معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 425
فلا ينقص منها شيئا، ولا يزيد فيها شيئا، بل يبلّغها أو يؤدّيها كما أوحى اللّه إليه بدقّة تامّة. وفي هذا تعبير عن سلامة القرآن المبلّغ إلى رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من أيّ تغيير عمّا أنزل اللّه.
وقد أثبت اللّه عزّ وجلّ أنّ القرآن منزّل من عنده نطق به وتلفّظ بحروفه وكلماته رسول كريم أرسله، وهو ذو قوّة عند ذي العرش مكين، وهو مطاع هنالك بين الملائكة العالين، وهو أمين، وعلمنا أنّ هذا الرسول هو جبريل عليه السّلام، لئلّا يتوهّم متوهّم أنّ القرآن قد أوحى اللّه به إلى رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم معاني، وأنّ الرسول محمّدا عبّر عن هذه المعاني بألفاظ من عنده، وهذا فرق عظيم يفرّق بين القرآن، وبين المعاني الّتي أوحى اللّه بها إلى رسوله، وعبّر عنها الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعبارات من عنده، فهي شيء آخر غير القرآن، وليس لها صفة إعجاز القرآن، ولا الصفات الأخرى الخاصّة بالقرآن.
*** قول اللّه عزّ وجلّ:
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) .
توجّه اللّه عزّ وجلّ بهذه الآيات لخطاب الّذين كذّبوا الرّسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم إبّان التنزيل، والذين اتّهموه بالجنون، لادّعائه أنّه رسول اللّه، ويتلقّى عن ربّه الوحي، وأنّ ما يتلوه عليهم هو كتاب منزّل من عند اللّه، ويلقّنه إيّاه أمين الوحي جبريل عليه السّلام، ولأنّه جاءهم برسالة تقضي على شركهم وأوثانهم، فقال لهم: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) .
أي: وما الرسول الذي أرسل إليكم فهو مصاحبكم وملازم لكم في دعوته إياكم إلى دين اللّه، وفي تبليغكم رسالات اللّه للناس بمجنون، كما يزعم من اتّهمه بالجنون منكم.