فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 426

زيدت الباء الجارّة في: (بمجنون) لتأكيد النفي الذي دلّت عليه أداة النفي [ما] .

وقد سبق في سورة (القلم) أن شهد اللّه لرسوله ليسلّيه ويشدّ عزيمته بأنه غير مجنون، خطابا له، فقال له فيها: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) .

أمّا هنا في سورة (التكوير) فقد وجّه اللّه عزّ وجلّ الخطاب للذّين كذّبوه، فقال لهم: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) .

إنّ هذا القرآن العظيم الذي ينزّله اللّه عليه، والذي يبلّغه عن ربّه دليل جليّ على أنّه في ذروات الكمال العقليّ، وفي ذروات الكمال الفكريّ والنفسي، وأنّى للمجنون أن يقترب من ذروة من ذروات هذه الكمالات.

يضاف إلى هذا أنّه صاحبكم الملازم لكم في صحبته، فقد صاحبتموه وعاشرتموه، وعرفتم أخلاقه، وصدقه، وأمانته، ورجاحة عقله، وأنّ من كان مثله فهو أبعد النّاس عن الجنون.

وبعد نفي الجنون عنه بدليل مصاحبتهم له أبان اللّه لهم أنّ صلته بجبريل أمين الوحي الربّانيّ لم تقتصر على وحي غيبيّ أو قلبيّ غير مشهود ببصر ولا سمع، بل رأى محمّد جبريل رؤيا عين وهو بالأفق المبين، فقال تعالى:

وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) .

اللأفق: خطّ دائريّ في الجوّ يرى فيه المشاهد السّماء كأنّها ملتقية بالأرض.

المبين: أي: الظاهر الواضح، يقال لغة: بان الشيء بيانا فهو بائن، وأبان الشيء إبانة فهو مبين، إذا ظهر ووضح وكان جليّا.

فدلّت هذه الآية على أنّ الرسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد رأى أمين الوحي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت