معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 595
النّفور: الإعراض والصّدّ والابتعاد كحالة المذعور الشّارد، أو المتمنّع المتراجع بحران.
وبيان زيادة نفورهم عند دعوتهم إلى السّجود للرّحمن يدلّ على أنّهم حين كان يقال لهم: اسجدوا للّه خالقكم وخالق السّماوات والأرض كانوا يعرضون ويتولّون وينفرون، مع إيمانهم بأنّه خالقهم وخالق السّماوات والأرض، وذلك بسبب أنّهم لا يرون في سجودهم للّه فائدة لهم، فحين أثيرت قضيّة سجودهم للرّحمن زادهم ذلك نفورا، ذلك لأنّهم لا يؤمنون بأنّ الرّحمة من صفاته.
وقد سبق أن أمرهم اللّه بالسّجود له في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول) فقال تعالى لهم:
أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) .
لكنّهم لم يستجيبوا لهذا التّكليف، فلم يؤمنوا ولم يسجدوا.
*** قول اللّه عزّ وجلّ:
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (62) .
تَبارَكَ: أي: تنامى وتزايد وتعاظم بالإطلاق العامّ عن كلّ ما يصفه الواصفون من كمالات، لأنّه أجلّ وأكبر وأعظم وأكثر.
الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا: البروج: هي منازل الكواكب والنّجوم السيّارة، وأصل معنى البروج في اللّغة القصور العالية المشرفة الظاهرة المتطاولة في السّماء، وسميّت منازل السيّارات في السّماء بروجا، لأنّها لهذه السّيّارات بمثابة القصور العالية المشرفة لسكانها.