معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 597
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً: أي: جعل اللّيل والنّهار يتعاقبان فيخلف كلّ منهما الآخر.
يقال لغة: رجلان خلفة، أي: يخلف أحدهما الآخر.
إنّ تعاقب اللّيل والنّهار من نعم اللّه الظّاهرة في الأرض، بتأثير نظام حركة الأرض حول نفسها، وهذا النّظام مرتبط بالشّمس الّتي هي في السماء.
فثبت بهذا أنّ اللّه الّذي يعتقد المشركون أنّه خالق عزيز عليم، هو أيضا رحمان رحيم بعباده، فمن مظاهر عنايته ورحمته بعباده ربط أسباب حياتهم ومعايشهم ومصالحهم في الأرض، بما يعتقدون أنّه خاضع لسلطانه في السّماء.
وهذه حجّة دامغة، فيها إلزام للمنكر من خلال الأشياء الّتي يعتقد هو بها.
وبعد أن استكمل الدّليل عناصره قال اللّه عزّ وجلّ:
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا: أيّ: هذه الظّواهر والآيات هي من نعم اللّه على النّاس في الأرض، مع أنّها خاضعة لسلطانه في السّماء كما يعتقد المشركون، وقد جعلها اللّه ضمن أنظمته ليتذكر من أراد أن يتذكر، أي ليضعها في ذاكرته بعناية، فتكون دافعة له إلى الإيمان باللّه، والاستجابة لدعوة الرّسول، ونداءات القرآن، فيكون من المتّقين.
وليشكر من أراد شكورا، فهو يزيد من القربات ونوافل الطّاعات رجاء أن يكون من الأبرار أو المحسنين.