فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 610
ولا يسعون في الأرض فسادا، أو طلبا للعلوّ في الأرض، والاستئثار بحظوظها الفانية، كما يفعل طلّاب الدّنيا، من الفاسقين والفاجرين والطّغاة والمتكبّرين وعبّاد الشّهوات والأهواء.
إنّ عباد الرّحمن متواضعون للّه، هيّنون لينون، لا جبّارون ولا مستكبرون.
لقد سمعوا نهي اللّه عزّ وجلّ عن مشية المرح (أي: البطر والكبر) في قوله تعالى في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (37) .
فأطاعوا، تحقيقا لعبوديّتهم للرحمن، وعلموا أنّ الغاية من هذا النّهي أن لا يكونوا مستكبرين متعاظمين على عباد اللّه، فوطّنوا أنفسهم لأن يجتنبوا كلّ مظهر من المظاهر الدّالّة على الكبر والعجب بالنفس.
وأدركوا أنّ مشية الخيلاء يبغضها اللّه، فهم يجتنبونها، على أنّ خلقهم يلجمهم عن أن يكونوا مستكبرين على عباد اللّه.
لقد كشف اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية من سورة (الإسراء) للمستكبر الّذي يتبختر ويمشي على الأرض مرحا واقع حاله الصّغير، فأبان له أنّه حين يضرب الأرض برجله، ويتطاول مستعليا بقامته على النّاس، فإنّه لن يستطيع أن يخرق الأرض، فهي أصلب منه، ولن يستطيع أن يبلغ الجبال طولا، فهي أعظم وأطول جسما منه.
وفي هذا إمعان إيمائيّ بتحقير المستكبر، قائلا له: إنّ الأرض الّتي تمشي عليها أصلب من قوّتك، وإنّ الصّخور الجامدة المكدّسة جبالا أطول من قامتك مهما تطاولت بها، فلا تظنّنّ أنّ شدّة وطئك على الأرض، وأنّ تطاولك بجسمك يمنحانك عظما حقيقيّا، وقائلا له: مهلا