فهرس الكتاب

الصفحة 4154 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 615

ولمّا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قمّة عباد الرّحمن جميعا، كان أكثر النّاس حلما، وكان لا يزيده جهل الجاهلين إلّا حلما.

فمن روائع حلم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ أعرابيّا جاء إليه يطلب منه عطاء، فأعطاه الرسول، ثمّ قال له:

"أحسنت إليك؟".

قال الأعرابيّ: لا، ولا أجملت. (استقلّ العطاء) فغضب المسلمون وقاموا إليه، وقد همّوا أن يؤدّبوه بالعنف، فأشار إليهم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن كفّوا. ثمّ قام ودخل منزله، فأرسل إليه، وزاده شيئا، ثمّ قال له:

"أحسنت إليك؟".

قال: نعم، فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا. فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:

"إنّك قلت ما قلت آنفا، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ، حتّى يذهب ما في صدورهم عنك".

قال: نعم، فلمّا كان الغد جاء، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:

"إنّ هذا الأعرابيّ قال ما قال فزدناه، فزعم أنّه رضي، أكذلك؟".

قال: نعم، فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا.

فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه:

"مثلي ومثل هذا، كمثل رجل له ناقة شردت عليه، فأتبعها النّاس، فلم يزيدوها إلّا نفورا، فناداهم صاحبها، فقال لهم: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإنّي أرفق بها منكم وأعلم، فتوجّه لها بين يديها، فأخذ من قمام الأرض، فردّها، حتّى جاءت واستناخت، وشدّ عليها رحلها، واستوى عليها، وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل ما قال فقلتموه دخل النّار".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت