فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 614
إنّهم يقطعون على الجاهلين طريق الفتنة والشّرّ، ويطفئون الشّرارة الأولى الّتي لو قوبلت بمثلها لكانت نارا متأجّجة، قد تجرّ إلى قتال كبير، وشرّ مستطير.
إنّ عباد الرحمن بدافع من إيمانهم وحسن إسلامهم، إذا خاطبهم الجاهلون بجهالة تثير الغضب ملكوا أنفسهم ببطولة الحلم، وبطولة الحلم هذه هي البطولة حقّا.
إنّ البطولة في مقاييس مكارم الأخلاق ليست بقوّة الجسم، والقدرة على الغلب في المصارعة، وهذا ما أوضحه الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ببيانه البديع.
روى مسلم عن عبد اللّه بن مسعود، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"ما تعدّون الصّرعة فيكم؟".
فقالوا: الّذي لا تصرعه الرّجال.
فقال:"و لكنّه الّذي يملك نفسه عند الغضب".
إنّ العرب يطلقون على بطل المصارعة الّذي يصارع النّاس فيغلبهم كلمة"صرعة"ويكبّرون أمره، ويعظّمون شأنه، فاستغلّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إعجاب النّاس به، وتقديرهم له، ثمّ حوّلهم عنه إلى البطل الحقيقيّ وهو الّذي يملك نفسه عند الغضب، وذلك لأنّ ملك النّفس عند الغضب بطولة إنسانيّة فعلا، تعتمد على العقل وقوّة الإرادة.
أمّا بطولة المصارعة فهي امتياز جسديّ يعتمد على قوّة العضلات، والأعصاب، والتّدريب الجسديّ، والحيلة.
وهذه الصّفة الّتي هي من صفات عباد الرّحمن مع سائر صفاتهم ترشّح من تحلّى بها أن يكون إماما للمتّقين، لأنّه بها قد ارتقى إلى مرتبة الأبرار وربّما قد ارتقى أيضا إلى مرتبة المحسنين.