فهرس الكتاب

الصفحة 4158 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 619

وقياما، أو هم يبيتون سجّدا وقياما لربّهم، وعلى هذا الفهم فقد قدّم المعمول على العامل للحصر، والمعنى أنّهم لا يسجدون ولا يقومون لغيره، لأنّهم موحّدون لا يشركون بعبادة ربّهم أحدا.

ومعلوم أنّ صلاة العابد خاليا بربّه في جوف اللّيل أقرب إلى الصّدق والإخلاص للّه، والبعد عن الرّياء والسّمعة.

إنّ ساعات خلوة"عباد الرّحمن"في ظلمات اللّيل، مشغولة بالتّوجّه لله، يعبدونه، لا يشركون بعبادته أحدا، لأنّهم يعلمون ما في العبادة للّه عزّ وجلّ في ظلمات اللّيل، بعيدا عن كلّ رياء ورغبة في سمعة أو مغانم، من سعادة لقلوبهم، وطمأنينة لنفوسهم، وتنوير لبصائرهم، وشحن لقواهم المعنويّة، بطاقات روحيّة عظيمة، لا يظفرون بها إلّا بالعبادة المخلصة للّه عزّ وجلّ، وبالصّلة الرّوحيّة الّتي تكون لهم حينما يقفون بين يدي اللّه، ويوجّهون وجوههم له، يصلّون قائمين وراكعين وساجدين، يذكرونه، ويناجونه، ويتلون آياته آناء اللّيل.

إنّ"عباد الرّحمن"يعلمون ذلك بإرشاد كتاب اللّه، وإرشاد سنّة رسوله، وبالممارسة الّتي يذوقون بها حلاوة الإيمان، وحلاوة العبادة، وحلاوة الصّلة باللّه، وحلاوة الأنس به، وحلاوة انفتاح البصيرة لإدراك معارف لا ينالها إلّا من نوّر اللّه بصائرهم، وفتح مغاليق قلوبهم وأفكارهم، وأمدّهم بعطاء من عنده، وأدناهم إليه بالقرب والمحبّة.

إنّ"عباد الرّحمن"الّذين تشرّفوا بوسام العبوديّة للّه مستظلّين بظلّ رحمة اللّه عزّ وجلّ، وبظلّ اسم اللّه"الرّحمن"يبيتون في لياليهم ما تجدّدت، لربّهم وحده، سجّدا وقياما، فهذّ الوصف ملازم لهم غالبا كلّما باتوا، ودخل عليهم اللّيل، وخلوا بأنفسهم لربّهم. (دلّ على هذا فعل"يبيتون"لأنّه فعل مضارع يدلّ على التجدّد والتّكرار) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت