فهرس الكتاب

الصفحة 4159 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 620

ويتحقّق في"عباد الرحمن"هذا الوصف بأن يقوموا متهجّدين بعض اللّيل، ولا يشترط أن يقوموا اللّيل كلّه، فالرّسول الأعظم وهو سيّد عباد الرحمن وإمامهم الأعظم، لم يكلّفه اللّه أن يقوم كلّ اللّيل، فقد أنزل عليه في أوائل ما أنزل من قرآن قوله عزّ وجلّ في سورة (المزّمّل/ 73 مصحف/ 3 نزول) :

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) .

فناشئة اللّيل- وهي ساعاته وآناؤه- هي أثبت للقيام بطاعة اللّه وعبادته، وهي أبعد عن القلق والتّذبذب في اتّجاه الرّياء والسّمعة وأهواء النّفس، وطلب الدّنيا من النّاس بمظاهر العبادة، وهي أقوم قيلا، أي:

أصحّ قولا ومناجاة للّه عزّ وجلّ، بسبب صفاء الذّهن، وسكون النّفس، وهدوء الجوّ من الأصوات، فهي أكثر تحقيقا للخلوة باللّه، ومناجاته بالذّكر والدّعاء وتلاوة القرآن.

ومن المجرّب أنّ الفكر الصّافي، والجوّ السّاكن، والنّفس الهادئة المطمئنّة، شروط تهيّىء أفضل الأوقات لأن يقول الإنسان قولا قويما، فإذا كان في مجال البحث العلميّ قال أقوم الكلم المتضمّن للعلم الصّحيح أو الأقرب إلى الصّحّة، وإذا كان في مجال الدّعاء دعا بأقوم القول المتضمّن أكرم المطالب وأحسنها، وطلب سعادتي الدّنيا والآخرة، وإذا كان في مجال الذّكر ذكر اللّه عزّ وجلّ بأقوم القول المتضمّن توحيد اللّه والتّسبيح بحمده، والثناء عليه بالمحامد العظيمة الّتي تليق بجلاله، وإذا كان في مجال مناجاة اللّه ناجى اللّه بأقوم القول في المناجاة، فتلا آيات اللّه بترتيل، وتدبّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت