معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 650
على إقامة العدل، والحكم على الجناة الّذين تنحرف بهم أهواؤهم وشهواتهم، فيظلمون. أو يبغون، أو يأكلون أموال النّاس بالباطل، فإذا تحوّلت الشّهادة عن وظيفتها فكانت سندا للباطل، ومضلّلة للقضاء، حتّى يحكم بغير الحقّ، استنادا إلى ما تضمّنته من إثبات أو نفي، فإنّها تحمل حينئذ إثم جريمتين كبريين في آن واحد.
الجريمة الأولى: عدم تأديتها وظيفتها الطّبيعيّة، وهي من هذه الناحية أسوأ حالا من كتمان الشهادة.
الجريمة الثّانية: قيامها بعدوان إيجابيّ، تهضم فيه الحقوق، ويظلم فيه البرآء، ويستعان به على الإثم والبغي وظلم عباد اللّه.
فهي في هذا كالقاضي الّذي بيده سلطة القضاء ليحكم بالعدل، فيحكم بالجور والظّلم والعدوان، وينصر الظّالم على المظلوم، ويشدّ عضد الباغي، اتّباعا للهوى، أو طمعا بعرض من أعراض الحياة الدّنيا، أو تأثّرا بقرابة، أو استجابة لشهوة، أو تلبية لرغبة ذي سلطان، أو ذي جاه في قومه.
وهي في هذا كالمستأمن الّذي يخون من استأمنه.
إنّ الجريمة في كلّ ذلك بجريمتين، والظّلم بظلمين، ولكلّ من أصحاب هذه الجرائم كفلان من العقاب.
إنّ شهادة الزّور من الكذب المفترى، ولو لم يلاحظ فيها اشتمالها على جريمتين، وقد أبان اللّه عزّ وجلّ أنّه لا يفتري الكذب إلّا الّذين لا يؤمنون فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) .
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (105) .