معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 651
فدلّت هذه الآية على حصر افتراء الكذب في الّذين لا يؤمنون، وأقبح أنواع الكذب افتراء الكذب على اللّه، وشهادة الزّور.
وأبان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ المؤمن لا يكون كذّابا، فقد روى الإمام مالك في الموطّأ، عن صفوان بن سليم، أنّه قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أيكون المؤمن جبانا؟. قال:"نعم"فقيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال:"نعم"فقيل: أيكون المؤمن كذّابا؟ قال:"لا".
فدلّ هذا الحديث على أنّ المؤمن لا يكون كذّابا، أي: لا يصل إلى مستوى تحرّي الكذب، حتّى يدمغ بأنّه كذّاب، خلقه الكذب.
وقد علّمنا أنّ شهادة الزّور من أقبح صور الكذب، فهي لا تصدر عن آحاد المؤمنين بحسب العادة، فضلا عن أن تصدر عن أحد من زمرة عباد الرّحمن.
وفي التّحذير من شهادة الزّور، روى البخاريّ ومسلم عن أبي بكرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟"قلنا: بلى يا رسول اللّه، قال:"الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين"وكان متّكئا فجلس فقال:"ألا وقول الزّور، وشهادة الزّور"فما زال يكرّرها حتّى قلنا: ليته سكت.
وروى أبو داود وابن ماجه، عن خريم بن فاتك، قال: صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة الصّبح، فلمّا انصرف قام قائما فقال:
"عدلت شهادة الزّور بالإشراك باللّه، عدلت شهادة الزّور بالإشراك باللّه، عدلت شهادة الزّور بالإشراك باللّه".
ثم قرأ قول اللّه تعالى في سورة (الحجّ/ 22 مصحف/ 103 نزول) :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ... (31) .