معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 656
وأثنى اللّه عزّ وجلّ على بعض أهل الكتاب الأوّل الّذين يصلهم البلاغ القرآنيّ فيؤمنون به، ويعلنون أنّه الحقّ من ربّهم، وأنّهم كانوا من قبله مسلمين، وأبان تعالى أنّهم يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا، وذكر من صفاتهم أنّهم يدرؤون بالحسنة السّيّئة، وأنّهم ينفقون ممّا رزقهم اللّه، وأنّهم إذا سمعوا اللّغو أعرضوا عنه، وقالوا للّذين يستغرقون في أقوال اللّغو: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.
ونستطيع أن ندرك أنّ هؤلاء هم من زمرة عباد الرّحمن (الأبرار أو المحسنين) بدليل إثبات الأجر المضاعف لهم، مع وصفهم بالصّبر الّذي هو من صفات الأبرار والمحسنين، ووصفهم بأنّهم يدرؤون بالحسنة السّيّئة، وأنّهم إذا سمعوا اللّغو أعرضوا عنه، وردّوا بالسّلام، ولا يردّون الجهالة بمثلها، وهذه من خصائص صفات عباد الرّحمن، الجامعين للأبرار والمحسنين.
وفي ذلك يقول اللّه عزّ وجلّ في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول) :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55) .
هذا النّصّ مدنيّ التنزيل من سورة (القصص) المكية في معظمها.
*** قول اللّه تعالى:
وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (73) .