فهرس الكتاب

الصفحة 4199 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 660

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) .

فقلوب أهل هذا القسم من النّاس في أكنّة (أي: مغلّفة بأغطية) بسبب انصراف كلّ مشاعرهم بإرادتهم لمطالب أجسادهم ونفوسهم من دنياهم، فهي لا تفقه ما تذكّر به من آيات ربّهم، وهم لا يسمعون نصحا مهما كان بيّنا واضحا لا يحتاج إلى دليل، لأنّ الاستماع إلى القول إنّما يكون عند إرادة فهم المراد به، ومن لا يريد ذلك انصرف سمعه عنه، فهو لا يسمع إلّا صوتا لا معنى له، كمن في أذنه وقر، (الوقر: ثقل في السّمع حتّى الصّمم) .

القسم الثاني: قسم يذكّر بآيات ربّه فيسمعها، ويتفكّر في دلالاتها، وقد ينتفع بها، لكن تغلبه بعد ذلك شهواته وأهواء نفسه، فيعرض عنها.

وهذا القسم من النّاس قسم يصطرع في داخله الفكر والهوى، والضّمير الرّشيد والشّهوات الجانحات، ثمّ تكون أهواؤه وشهواته بعد مرحلة صراع قد تطول أو تقصر هي الغالبة، فتخضع إرادته، وينتج عن ذلك إعراضه عن آيات ربّه بعد أن تأمّل فيها، وأدرك من دلالاتها ما يكفيه للاقتناع بالحقّ، وسلوك سبيل الرّشد.

وقد جاءت الإشارة إلى هذا القسم من النّاس في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (السجدة/ 32 مصحف/ 75 نزول) :

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) .

إنّ هذا القسم من النّاس قسم مجرم كالقسم الأوّل، إلّا أنّ احتمال إصلاحه أرجى من إصلاح القسم اللأوّل، ولذلك جاء في بيان حال القسم الأوّل قول اللّه عزّ وجلّ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت