معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 689
هذا الحديث القدسي يفسّر معنى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي أي: ما يبالي بكم من أجل ذاته، لأنّكم لن تبلغوا ضرّه فتضرّوه، ولن تبلغوا نفعه فتنفعوه.
وهنا يأتي سؤال، وهو: إذن فلماذا بعث اللّه لنا الرّسول، وأنزل إلينا الكتاب، ولماذا يعالجنا بالإقناع والمجادلة والهداية والتّرغيب، والتّرهيب، وسائر وسائل التّربية؟
أَليس هذا من مبالاته بنا؟ وعنايته بشؤوننا؟
والجواب: بلى، إنّه سبحانه يعبأ بكم ولكن لا من أجل نفسه وذاته، بل من أجلكم أنتم، رحمة بكم، واستيفاء لكلّ ما يلزم لتبصيركم وهدايتكم وإرشادكم، في دعوتكم إلى سبيل سعادتكم ونجاتكم من العذاب المعدّ لأهل الكفر والفجور والعصيان.
فلولا دعاؤكم- أي: دعوتكم إلى سلوك الصّراط المستقيم لسعادتكم ونجاتكم- ما كان ربّي يعبأ بكم.
فمعنى: لَوْ لا دُعاؤُكُمْ: لولا دعاء اللّه إيّاكم، لفظ"دعاء"مصدر مضاف إلى المفعول به، والفاعل معلوم من السّابق واللّاحق، وهو اللّه عزّ وجلّ.
فعناية اللّه بكم هي من أجل مصلحتكم، واستيفاء شروط دعوتكم في رحلة امتحانكم في هذه الحياة الدّنيا، ولو لا ذلك لم يعبأ اللّه بكم من أجل نفسه وذاته، فهو سبحانه الغنيّ العزيز مالك الملك، وهو على كلّ شيء قدير.
ولكنّكم مع هذه العناية البالغة بكم من أجلكم أنتم، ورحمة بكم لم تستجيبوا لدعوته من أجل أنفسكم وسعادتكم ونجاتكم، والخطاب هنا للّذين أصروا على الكفر على الرغم من كلّ أنواع العلاج الّتي جاءت في سورة (الفرقان) وما نزل قبلها من سور القرآن.