فهرس الكتاب

الصفحة 4227 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 688

ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي: أي: ما يبالي بكم، أصل العبء في اللّغة الحمل، والجمع"أعباء"بمعنى أحمال. والعبء أيضا العدل، لما يوضع فيه من أشياء تحمل اهتماما بما فيها من خير أو مصلحة. وإنّما يحمل العقلاء ما له قيمة، أو لهم به مصلحة أو منفعة، أمّا ما لا مصلحة لهم به فإنّهم يهملونه فلا يحملونه، ولا يجعلونه في أوعيتهم.

ومن هنا يأتي استعمال عبارة:"لا يعبأ به"بمعنى: لا يبالي به لعدم مصلحة له فيه.

وهنا نقول: هل للّه عزّ وجلّ مصلحة لذاته لدى عباده؟

والجواب: لقد تنزّه اللّه تبارك وتعالى عن ذلك، إنّ عبادة عابديهم لا تنفعه بشيء، وكفر كفّارهم وفجور فجّارهم لا يضرّه بشيء، إذن فهو لا يبالي من أجل ذاته سبحانه بعبادة العابدين، ولا بكفر الكافرين، أو جحود الجاحدين، أو فجور الفاجرين.

هذه الحقيقة قد جاء بيانها في الحديث القدسيّ الّذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه عن اللّه تبارك وتعالى، فقد جاء فيه أنّ اللّه تعالى قال:

"يا عبادي! إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كلّ إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلّا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر."

يا عبادي! إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم ثمّ أوفّيكم إيّاها، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت