معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 449
وتصنيع الغدد اللّمفاويّة في الأجساد لها، بعد التعرف عليها، وإجراء الاختبارات المختلفة للتوصّل إلى المضادّ الناجح للقضاء على الجرثوم الدخيل، فإذا توصّلت إليه نشطت في تصنيع هذا المضادّ حتى تقضي فعلا على الجرثوم الدّخيل.
ويبقى في ذاكرتها هذا الجرثوم الذي قضت عليه أوّلا بعد امتحانات وتجربات، حتّى إذا عاود الدخول إلى الجسم مرّة أخرى أسرعت إلى تصنيع المضادّ نفسه الذي سبق أن كان ذا فائدة فيما سلف.
فمن هدى خلايا وغددا خاصّة في الأجسام لمكافحة أعدائها من الجراثيم الداخلة إليها؟
إنّه سبحانه الرّبّ الّذي خلق فسوّى والذي قدّر فهدى.
إنّ ظاهرات الخلق والتسوية والتقدير والهداية لها في الكون أمثلة بعدد ما في الكون من مخلوقات كبرى وصغرى، وبعدد أجزائها وعناصرها، وهي أدلّة تحاصر الإنسان أين كان من هذا الكون، فتدلّه على أنّ له ربّا خالقا مسوّيّا مقدّرا هاديا.
وكلّ البحوث الوصفيّة الّتي توصّل إليها علماء الدراسات الكونيّة تتضمّن أمثلة لا حصر لها، وهي شواهد على كمال ربوبيّة اللّه، ووحدانيته، وهيمنته، وإتقان صنعه، وحكمته وشمول علمه، وعظيم قدرته.
والاستدلال بهذه الظاهرات الكونية هو الاستدلال الذي استدل به موسى عليه السّلام في مناظرته لفرعون، كما جاء في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) :
قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (49) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50) .