معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 61
عزّ وجلّ يحكم يوم الدّين على من كان في الحياة الدّنيا ضالّا بالضّلال، ويحكم لمن كان في الحياة الدّنيا مهتديا بالهدى وهو ما جاء بيانه في الآية نفسها، ومفاد هذا السؤال المطويّ: هل يعلم اللّه ما كان عباده يصنعون في الدّنيا من خير وشرّ، وحسن وقبيح، حتّى ما كان من مكتسبات قلوبهم وإراداتهم ونفوسهم وأجهزة الإدراك لديهم؟
فجاءت هذه الجملة جوابا على هذا السؤال المطويّ.
عَلِيمٌ: صيغة مبالغة، أي: بالغ علمه بهم كلّ شيء، كبيرا كان أم صغيرا، ظاهرا كان أم باطنا، جسديّا كان أم نفسيّا، حتى مكتسبات القلوب والنفوس والأذهان الإراديّة.
عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ: أي: عليم بما يعملون الآن في الحياة الدّنيا لحظة فلحظة، وما يصنعون في أقلّ زمن يحصل فيه عمل ما جسديّ أو نفسي.
وما يعلمه اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- يظلّ معلوما لديه أبدا، لأنّ اللّه سبحانه لا يضلّ ولا ينسى، ويعلم السّرّ وأخفى.
كيف لا يعلم سبحانه أعمال العباد ومكتسباتهم الإراديّة، الظاهرة والباطنة، الجسديّة والنفسيّة، مع أنّه ما من ذرّة في الوجود كلّه، ولا أصغر ولا أكبر إلّا هو عليم بها، وبخصائصها، وصفاتها، وموقعها، وأجزائها، وحركة أجزائها، حتى الإلكترونات حول نويات الذّرّات، وهو مع علمه بها يمدّها بقوت بقائها في الوجود، وبقوت حركاتها في دورانها في مداراتها الذّرّيّة.
وقد جاء بعض تفصيل لشمول علم اللّه في القرآن، فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول) :
* وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ