فهرس الكتاب

الصفحة 4355 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 60

ربّهم عليهم من إيمان ومن عمل صالح يرضيه، دون أن تكفّها بالتّسليم التّامّ للّه في تدبيرات كونه، والتّسليم التامّ لحكمته في قضائه وقدره، واعلم بأنّه عليم بكلّ ما يصنعون من أعمال ظاهرة وباطنة، في أجسادهم وفي نفوسهم، وأنّ هذه الأعمال من آثار إراداتهم الحرّة.

أو: فيا حامل الرّسالة الرّبّانيّة، لا تعمل على إذهاب نفسك من الحياة فتذوق بذلك الموت، بسبب توالي الحسرات والأحزان الشديدة عليها، من أجلهم إذ لم يؤمنوا ولم يعملوا صالحا، بل قابل حكمة اللّه في مقاديره وتدبيراته بالتّسليم التّام، ولو كان من اختار لنفسه الكفر والعصيان من أقرب النّاس إليك رحما أو ولاء، واعلم بأنّ اللّه عليم بما يصنعون بإراداتهم الحرّة من أعمال ظاهرة وباطنة في أجسادهم وفي نفوسهم.

إنّ الحياة الدّنيا حياة ابتلاء كاشف لإرادات الموضوعين فيها موضع الامتحان، وإراداتهم فيها حرّة غير مجبورة، ثم يكون في الحياة الأخرى الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء الرّبّاني بالعدل لمستحقيه، أو بالفضل لمستحقيه.

بهذا قضت حكمة اللّه في خلق النّاس.

ولمّا كانت أحكام اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- الّتي يفصل بها بين عباده يوم الدّين بالضّلال أو بالهداية، لا بدّ أن تكون مستندة إلى علمه الشّامل الّذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من مكتسباتهم الإرادية، الظاهرة والباطنة، الجسديّة والنفسيّة إلّا أحصاها إحصاء تامّا، قال اللّه عزّ وجلّ في آخر الآية (8) : ... إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ.

يَصْنَعُونَ: أي: يعملون.

وقد جاءت هذه الجملة بمثابة جواب سؤال مطويّ، يثيره كون اللّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت