معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 59
حامل مقدارا ما من رسالته من أمّته. وفي القراءةالأخرى: [فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إنّ اللّه عليم بما يصنعون] .
إنّه لمّا كانت رحلة الحياة الدنيا رحلة امتحان، لكشف أحوال نفوس العباد فيها، وما تكسبه فيها باختياراتها الحرّة، لمحاسبتهم يوم الدّين، وفصل القضاء بينهم على مقادير ما قدّموا من خير أو شرّ، ثمّ لمجازاتهم بمقتضى عدل اللّه أو فضله، كان من شأن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ويلحق به كلّ داع إلى سبيل اللّه من أمّته، أن يسلّموا للّه تدبيراته في مجاري حكمته، فلا يحزنوا من أجل الّذين يختارون لنفوسهم اتّباع سبل الضلالات الشيطانية، فالحزن من أجّلهم يخالف مقتضيات حكمة اللّه، إذ قضى وقدّر أن يمتحن عباده، فيكشف بالامتحان أحوال نفوسهم، وما تختار باختيارها الحرّ من خير أو شرّ، ثم ليحاسبهم، ويفصل القضاء بينهم، وليجازيهم بعد ذلك على ما كان منهم باختياراتهم الحرّة، التي لم يجّبروا فيها على اختيار أيّ شيء بالقهر، ولم يجبروا فيها على سلوك أيّ شيء بالقهر.
إذن: فمن أراد شيئا باختياره الحرّ، فعليه أن يتحمّل هو وحده نتيجة اختياره.
فجاء هذا الخطاب البيانيّ التوجيهيّ كاشفا لهذه الحقيقة، ومعلما بها، ومربّيا حملة الرّسالة الرّبّانيّة على ما ينبغي أن يلتزموا به.
النفس: قد تطلق في اللّغة ويراد بها الرّوح، وجاء إطلاق النفس في القرآن على ما يجمع طبعة خصائص الإنسان، في كلّ فرد من أفراد الناس، وهي الّتي تذوق الموت بمفارقة الرّوح لها.
والمعنى الّذي يفهم من هذه القضيّة: فيا حامل الرّسالة الرّبّانيّة! لا تجعل نفسك تذهب من جسدك بالموت، بسبب توالي الحسرات فيها، وشدّة الأحزان فيها، من أجل الّذين اختاروا لأنفسهم الكفر بما أوجب