معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 58
الدّين، بعد المحاسبة على المكتسبات الإراديّة للموضوعين في الحياة الدنيا موضع الابتلاء، كان من المناسب في البيان القرآنيّ كشف أنّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، سوف يحكم يوم الدّين، في الموقف الذي يحكم فيه بين العباد، على الفريق الّذي ضلّ في الحياة الدّنيا بالضّلال، وعلى الفريق الّذي اهتدى بالهداية، ويكون هذا بمحض مشيئته الحكيمة القائمة على الفضل والعدل، دون أن يكون على مشيئته الحكيمة سلطان ما من غير صفات كماله جلّ جلاله.
وبناء على أنّ الحكمة تقتضي نفي التّساوي بين المجرمين والمسلمين رتّب اللّه عزّ وجلّ عليه قوله: .. فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ..: أي: يحكم في محكمة يوم الدّين على من ضلّ في رحلة امتحانه بالضّلال، فيضلّه بمشيئته القضائيّة الّتي لا سلطان عليها من غير ذات اللّه وصفاته، لكنّه سبحانه وتعالى لا يحكم بمشيئته المطلقة الحكيمة على من ضلّ إلّا بالعدل، فلا يظلم أحدا مثقال ذرّة.
ويحكم في محكمة يوم الدّين لمن اهتدى في رحلة امتحانه بالهداية، فيهديه بمشيئته القضائيّة الّتي لا سلطان عليها من غير ذات اللّه وصفاته، لكنّه بمشيئته المطلقة الحكيمة لا يحكم لمن اهتدى إلّا بالهداية، على مقدار الدّرجة الّتي بلغها قبل موته، فيجعله مشمولا بالعدل والفضل معا، ولا يظلم ربّنا في حكمه أحدا مثقال ذرّة.
وحكم اللّه عزّ وجلّ يكون لكلّ فرد بما يلائم ما كسب وما اكتسب من خير أو شرّ، ولا يكون حكما جماعيّا، بدليل ما سيأتي في السّورة من بيان أنّه لا تزر وازرة وزر أخرى.
القضيّة الثالثة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: ... فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ خطابا لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فلكلّ