معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 452
البيانات بتتابع، وهو في حالة استعداد نفسيّ كامل لتلقّيها وحفظها، وحمل مسؤوليّة تبليغها والتّذكير بها، وتأدية سائر وظائف رسالته كاملة تامّة على أحسن وجه، وحتّى يلقى ربّه مطمئنّا مؤمنا بأنّه لم يقصّر في شيء من وظائف رسالته.
وإذ يعلم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من نفسه أنّه بشر؛ وأنّه معرّض لأن ينسى بعض ما ينزّل اللّه عليه من القرآن، فلا بدّ أن يتخوّف من هذا الأمر العظيم، وهو يحمل رسالة ربّه الجليلة، وأن يحمل همّ حفظ كلّ كلمة وكلّ حرف وكلّ آية وكلّ سورة تتنزّل عليه مستقبلا، وهو أمّيّ لم يأمره اللّه بأن يتعلّم القراءة والكتابة، وهو ما زال في أوائل ما أنزل اللّه عليه من قرآن، فسورة (الأعلى) هي السورة الثامنة بحسب ترتيب النزول، ولا بدّ أن يحمل همّ القيام بوظائف رسالته في قومه.
لهذا كان من الحكمة أن يطمئن اللّه عزّ وجلّ رسوله بشأن الأمرين المهمّين لنفسه وقلبه:
الأمر الأول: تخوّفه من أن ينسى بعض ما ينزّل اللّه عليه من كتابه المجيد.
الأمر الثاني: تخوّفه من أن لا يستطيع تأدية وظائف رسالته التي أرسله اللّه بها على أتمّ وجه وأكمله.
فأبان اللّه له أنّه سيمدّه بعطاء من لدنه يجعله لا ينسى ما ينزّل عليه من قرآن، إلّا ما شاء اللّه أن ينسيه إيّاه. وسيمدّه بمعونته حتّى يؤدّي وظائف رسالته التي حمّله إياها بيسر، إذ ييسّره اللّه لحملها بما يعطيه من قوى فكريّة ونفسيّة وقلبيّة وجسديّة، وهذا ما اشتمل عليه الدرس الثاني من دروس السورة.
* فقال اللّه له بشأن الأمر الأول: