معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 453
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (7) .
أي: سيقرأ جبريل عليك القرآن بأمرنا، فأنت تتلوه فلا تنسى بما نمنحك، إذ هو يلقّنك إيّاه شفهيّا، بقراءة تعليميّة، حرفا فحرفا وكلمة فكلمة، فنجعلك بعد حفظك له لا تنسى، إذ نثبّته في ذاكرتك بعطاء خاصّ منّا لك، ولمّا كان التثبيت في الذاكرة أمرا يأتي بعد الإقراء جاء العطف في الآية بالفاء، فقال تعالى: فَلا تَنْسى أي: فأنت بعد ذلك لا تنسى بحفظ منّا لك ومعونة.
وخاطب اللّه رسوله هنا بضمير المتكلّم العظيم فقال له: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) لإشعاره بأنّ تثبيت اللّه القرآن في ذاكرة الرّسول أمر هين عليه، فلا يحمل همّ تخوّفه من نسيان ما سينزّل اللّه عليه من قرآن مهما كثر وتتابع.
واستثنى اللّه عزّ وجلّ ما شاء هو أن ينسيه رسوله، لحكمة يشاء تحقيقها، كآية أراد نسخها، وآية أراد أن ينسيه إيّاها، ليأتي بخير منها أو مثلها، وعندئذ يكون الأمر تابعا لإرادة اللّه جلّ جلاله، ولا يكون الرّسول فيه مقصّرا ولا متهاونا في الحفظ والاستذكار. ومشيئة اللّه عزّ وجلّ في كلّ أمر لا تفارق حكمته، ومشيئته في كلّ أمر لا تكون إلّا حكيمة.
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ بتفصيل هذه الحقيقة بقوله في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) .
فذكر في هذه الآية جانبا من حكمته تعالى في هذا الأمر، وهو أنّه ينسي ليأتي بالأحسن أو المساوي، وليدلّ بالمساوي على أنّ له الاختيار الحرّ في مشيئته، لا مجبر له، وليدلّ بالأحسن على أنّه يراعي مصالح عباده