فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 91
الحاجز محجور عن أن ينحلّ بأيّ واحد منهما، إذ هو من عناصر الأرض صخورها ورمالها وأتربتها.
إنّهما في الأرض بحران عظيمان، خلقهما اللّه عزّ وجلّ لمنافع الحياة والناس، وكلّ منهما يقتضي لتحقيق المنفعة به أن يستمرّ على وصفه في النّسبة المزيجيّة الّتي جعله اللّه عليها.
ومعلوم أنّ الماء الحلو فيه عناصر مخلوطة ممزوجة، قد مرجها اللّه- جلّت حكمته- أي: خلطها بنسب صالحة لحياة الناس والنّبات، وأرسلها في الأرض، فاندفعت تؤدّي وظائفها.
ومعلوم أنّ الماء الملح الأجاج فيه عناصر إضافيّة مخلوطة فيه ممزوجة، قد مرجها اللّه بحكمته، أي: خلطها وأرسلها في الأرض، فاندفعت تؤدّي وظائفها.
وإيجازا في التعبير جاء في القرآن استخدام كلمة"مرج"للدّلالة على معنى:"خلط"العناصر، حتّى تكوّنت ماء حلوا، أو ماء ملحا أجاجا.
وعلى معنى"أرسل"كلّا من الماءين: العذب الفرات والملح الأجاج، لما في الماء من سيولة قابلة للتّدافع المتلاحق، كأنّ مرسلا أرسله ليؤدّي وظائفة الّتي أرسل من أجلها.
ودلّ هذا النّص على العناية الرّبّانيّة الّتي حفّت هذين البحرين حتّى لا يمتزجا ويختلطا، فتذهب خصائص الماء العذب الفرات، الّتي بها حياة الحيوان والنبات، ومصالح أخرى كثيرة للناس والحياة، وذلك بأن جعل اللّه بين البحرين حاجزا، إذ جعل تكوين الأرض في أوضاعها صالحة لاحتواء الماء العذب في تجاويفها ومساربها، ولإجرائه في السّهول والوديان، وأخراجه من العيون، فأقام جلّ جلاله بحكمته الحواجز والفواصل الّتي تفصل بين البحرين، حتّى لا ينتهي أمرهما إلى الامتزاج