معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 455
وقد جاء هذا المدد الرّبّاني لتطمين قلب الرسول، ولصيانة القرآن وحفظه في ذاكرة الرّسول المبلّغ للناس ما ينزّل اللّه عليه لهدايتهم.
ثمّ أنزل اللّه عزّ وجل ما بيّن به أنّه تكفّل بحفظ القرآن للناس بعد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الحجر/ 15 مصحف/ 54 نزول) :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) .
فتمّ بالعناية الرّبّانية حفظ القرآن من التغيير والتبديل والزيادة والنقص، إذ تكفّل اللّه عزّ وجلّ بهذا الحفظ من كلّ أطرافه، وفي كلّ مراحله.
* وقال اللّه لرسوله بشأن الأمر الثاني الذي أهمّه: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (8) .
أي: ونهيّئك ونصنعك ونمدّك بالقوة والعون وكلّ ما تحتاج إليه في حمل وظائف رسالتك، التي تبلّغ بها الملّة والشّريعة اليسرى، دون أن تقصّر بشيء منها، ودون أن تعجز عن شيء منها.
والعرب تستعمل فعل"يسّر"بمعنى صنع وهيّأ.
فطمأن اللّه رسوله بهذا حتّى يبعد عن نفسه التخوّف من أن لا يستطيع تأدية وظائف رسالته الّتي أرسله بها على أتمّ وجه وأكمله.
وقال اللّه لرسوله في هذه الآية: (نيسّرك) ولم يقل له: نيسّر لك، للدلالة على أمر دقيق يندّ عن الأذهان، وهو أنّ التّيسير إمّا أن يكون لحامل التكليف، وإمّا أن يكون في التكليف نفسه.
أمّا تيسير التكليف هنا وهو وجوب حمل الرسالة على أحسن وجه في مجتمع مشحون بالعقبات والمؤذيات والمضادّات، وفيه المخالفون الأعداء، والمقاومون الأشداء، فحكمة ابتلاء الناس في ظروف الحياة الدنيا تأباه، ولا بدّ أن يواجه الرسول صعوبات كثيرات وهو يؤدّي وظائف رسالته.