معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 458
أمّا ما دام نفع التّأثير مرجوّا ولو بنسبة ضئيلة فإنّ المطلوب متابعة تذكيره.
وجاء في النّصّ الاقتصار على أمر اللّه رسوله بالتذكير، وهو إحضار المعلوم السابق في الذاكرة بقوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (9) مع أنّ مرحلة التذكير مرحلة متأخّرة، لأنّ التذكير لا بدّ أن يكون مسبوقا بالتبليغ والبيان والشرح واتخاذ مختلف وسائل الإقناع والتربية بالترغيب والترهيب وغيرهما. فذكر التذكير يدلّ باللّزوم الذهني على ما لا بدّ أن يكون قبله.
كمن أدخل ضيفا إلى داره ليسكنها عدّة أيّام، وقال له: كلّ واشرب ونم واقض كلّ حوائجك، لكنّه لا يستطيع أن يأكل ما يريد حتّى يعدّ طعامه بأن يطبخه من الأرزاق الموجودة فيه، ففيه أرزاق كثيرة تحتاج إلى طبخ وإعداد حتّى تكون صالحة للطعام، ولا يستطيع أن يشرب حتّى يستخرج الماء من البئر بالدلاء، وكذلك سائر حاجاته.
فالأمر بالتذكير أمر بما ينبغي أن يكون قبله من تبليغ وبيان وشرح، وإقناع بمختلف الوسائل الإقناعية، ومعالجة بمختلف وسائل التربية.
التذكير: إعادة ما سبق الإعلام به، لإخراجه من مراكز المعرفة الكامنة إلى ساحة الذّاكرة الحاضرة، رجاء أن يكون هذا الحضور في ذاكرة المدعوّ دافعا له حتى يستجيب للدّعوة.
الذّكرى: اسم للتّذكير، ويأتي بمعنى التّذكّر.
وفي قول اللّه عزّ وجلّ: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (9) بيان لقاعدة من قواعد الدّعوة إلى اللّه، أي: إنّ على الداعي إلى اللّه أن يتابع التذكير بما كان بلّغه وبيّنه وشرحه واتّخذ وسائل الإقناع به، لدى من لم يستجيبوا لدعوته كلّما رأى إمكان النّفع بالذكرى، ولو بالاحتمال الضعيف الوارد على سبيل التقدير المشكوك بجدوى الذكرى معه.