فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 186
لم يفرضه فيما اصطفى لعباده من الدّين، وبترك ما لا خير فيه ممّا يحبّ اللّه من عباده الصالحين أن يتركوه، وهو بحكمته لم يحرّمه عليهم رحمة بهم وتيسيرا.
وهذا القسم السّابق بفعل الخيرات هو سابق لقسم"المقتصد"الذي اقتصر على فعل الواجبات وترك المحرّمات، ولم يتوسّع في أعمال البرّ، ولم تصل إلى درجات مرتبة"الإحسان"، والباء في عبارة: بِالْخَيْراتِ سببيّة.
ولمّا كانت الخيرات كثيرات جدّا كانت مجالا واسعا، وميدانا مديدا للتنافس والتّسابق وتفاضل الدّرجات.
قول اللّه عزّ وجلّ:
* بِإِذْنِ اللَّهِ: في هذه العبارة بيان دقيق يفيد أنّ كسب العباد سواء أكانوا ظالمين لأنفسهم، أم مقتصدين، أم سابقين بفعل الخيرات، إنّما يتمّ بإذن اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه.
فإذا لم يأذن اللّه عزّ وجلّ بحدوث أمر ما، أو لكاسب أن يكسب عملا ما، لم يكن ذلك الأمر، ولا ذلك الكسب.
إنّه بعد التمكين العامّ من استخدام المسخّرات لا بدّ من الإذن الخاصّ من اللّه تبارك وتعالى، عند ممارسة الكسب الذي يكسبه العبد باختياره الحرّ.
وأقرّب هذا إلى الأذهان، وللّه المثل الأعلى- بمن يمدّ بالطّاقة الكهربائيّة عددا من السّاكنين في عمارته ضيوفا عليه، وهو مراقب دواما لاستخدامهم لهذه الطاقة، فما داموا يستخدمون الطاقة الكهربائية ضمن الحدود الّتي لا تضرّ بنظام العمارة العامّ، فإنّه يترك لهم الحرّيّة في استخدامها، ويستمرّ على إمدادهم بها، لكن إذا جاء أحدهم بآلة كهربائيّة،