معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 466
فمن آمن بهذه الحقيقة، ثمّ آثر العمل والكدح للحصول على لذّات الحياة الدّنيا، وفضّلها على الآخرة، تأثّرا بنزعات شهواته وأهوائه للاستمتاع بلذّات العاجلة، فإنّه يعلن بإيثاره هذا عن قلّة عقله، وضعف إرادته.
وقد جاء في بيانات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بيان الفرق الكبير الّذي لا يدركه التصوّر بين نعيم الجنّة، ومتاع الحياة الدنيا.
روى مسلم بسنده عن المستورد بن شدّاد، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"ما الدّنيا في الآخرة إلّا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع".
وروى مسلم عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"يؤتى بأنعم أهل الدّنيا من أهل النّار يوم القيامة، فيصبغ في النّار صبغة (أي: يغمس غمسة) ثمّ يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قطّ؟ هل مرّ بك نعيم قطّ؟"
فيقول: لا، واللّه يا ربّ.
ويؤتى بأشدّ النّاس بؤسا في الدّنيا من أهل الجنّة، فيصبغ صبغة في الجنّة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قطّ؟ هل مرّ بك شدّة قطّ؟
فيقول: لا واللّه ما مرّ بي بؤس قطّ، ولا رأيت شدّة قطّ"."
من أدرك هذه الحقيقة وآمن بها، وكان ذا عقل ورشد، لم يؤثر متاع الحياة الدّنيا، بل آثر العمل للآخرة كادّا كادحا، رجاء الظفر بنعيم الجنة، ونيل الفلاح الأكبر يوم الدّين. وآثر أن يتتبّع مراضي اللّه أين كانت، مهما بذل فيها من جهد وضحّى من أجلها بمحابّه من الحياة، وتحمّل في سبيلها من مكاره.
* قول اللّه عزّ وجل: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (18) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (19) .