معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 266
وإنّي أوثر لدى دراسة مجموعة من النصوص القرآنية حول موضوع واحد، أن أستبعد فكرة التكرير التطابقيّ ما استطعت، باحثا عن فروق الدّلالات في النّصوص المتعدّدة، لأنّني وجدت أمثلة كثيرة جدّا منها قد جزّأت الحكمة الرّبّانيّة أفكار موضوعاتها، ووزّعتها على النصوص المتعدّدة الّتي وردت بشأنها، ضمن المناسبات الّتي اقتضت إيرادها.
وأتابع دراسة نصوص هذا الموضوع الثلاثة عشرة ضمن هذا المنهج، عسى أن يكتشف المتدبّر معي فروق دلالاتها، وأن نتوصّل معا إلى فهم مجمل الموضوع الّذي دلّت عليه النّصوص المتعدّدة، الّتي تبدو في أوّل النّظر، وتخيّل لبادي الرأي، أنّها مكرّرات متطابقات، وهي ليست مع التدبّر كذلك.
وفيما يلي استعراض هذه النصوص (13) وفق ترتيب نزول سورها، مع مقدار ما من التّدبّر.
النصّ الأول: قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول) :
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) .
سبق تدبّر هذا النّصّ في موضعه من سورة (فاطر) وهو أوّل نصّ نزل في نجوم التنزيل بشأن دعوة الذين كفروا بالرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وبما جاء به عن اللّه، إلى السّير في الأرض للاعتبار بالّذين أهلكوا من قبلهم من كفّار القرون السّابقة، الّذين كذّبوا رسل ربّهم، وقاوموهم واضطهدوا الّذين آمنوا بهم واتّبعوهم من أقوامهم.