معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 267
وهذا الاعتبار يأتي عن التفكّر في أسباب إهلاكهم إهلاكا جماعيّا عامّا، وعن طريق دراسة آثارهم وبقايا قراهم ومساكنهم، وكيف دمّر اللّه عليهم، فهذه شواهد على أنّ اللّه بعزّته وعدله وحكمته أهلكهم بأحداث عظيمة كبرى مدمّرة تدميرا شاملا، على خلاف مجاري الكوارث الصغرى، الّتي يبتلي اللّه بها عباده، والّتي تأتي بها السّيول والفيضانات والرّياح وغيرها والّتي تصيب بمصائب جزئية محدودة، ولكنّها لا تدمّر تدميرا كلّيّا شاملا.
فإذا درسوا وتفكّروا بأحوال هذه القرى والمدن المدمّرة تدميرا شاملا، وعلموا أنّ ذلك قد حصل بسب تماديهم في الكفر والعناد وتكذيب الرّسل، ونشر الفساد والإفساد في الأرض، وعلموا أنّ اللّه جلّ جلاله قد أنجى الّذين آمنوا واتّبعوا رسل ربّهم، من هذا الهلاك الشامل، تحقّق لديهم دليل ذو آثار حسّيّة مشهودة، وهذا الدّليل يضاف إلى الدليل العقليّ الّذي يكشف للنّاظرين بأفكارهم النّظيفة، وعقولهم الحصيفة، أنّ حكمة اللّه- جلّ جلاله- لا بدّ أن تميّز بين المؤمن والكافر في الجزاء، ولا يمكن أن تسوّي بين المسلمين والمجرمين.
وقد جاء هذا النّصّ معطوفا بحرف العطف"الواو"على معطوف عليه مطويّ، دلّت عليه النّصوص السابقة له في سورة (فاطر) ومنها الدّالّة على أنّ اللّه ليس من حكمته أن يسوّي في الجزاء بين من زيّن له سوء عمله فرآه حسنا، وبين من آمن وعمل صالحا.
وتحليل العبارة يكون كما يلي:
ألم يكفهم الدّليل العقليّ الدّالّ على أنّ اللّه عزّ وجلّ ليس من شأنه أن يسوّي في الجزاء بين المسلمين والمجرمين، والدّال على أن سنّة اللّه في عباده سنّة ثابتة لا تبديل لها، ولا تحويل فيها، أولم يسيروا في