فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 381
إِذْ من قول اللّه تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3) ظرف زمان، والعامل فيه محذوف تقديره:"اذكر"أي: ضع في ذاكرتك أيّها الصالح للخطاب، قصّة زكريّا، بعد أن تتلقّاها وتتفهّم ما جاء فيها، ولا سيما رحمة ربّك له باستجابته لدعائه.
وقد آثرت هذا الإعراب على أن يكون إِذْ معمولا ل رَحْمَتِ رَبِّكَ ليتّسق الكلام على ما جاء معطوفا عليه في السورة، وهو ما جاء في الآية (16) :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (16) .
وجاء في الآية (41) :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) .
وما جاء في الآية (51) :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) .
ونظيرها في الآيتين (54) و (56) .
قول اللّه عزّ وجلّ:
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) .
أي: قال زكريّا عليه السّلام في ندائه لربّه نداء خفيّا: رَبِ فلم يستعمل في دعائه أداة النداء:"يا"ولا غيرها، ليقينه الكامل بأنّ ربّه اللّه سميع عليم قريب، وأنّه أقرب إليه بعلمه وشهوده من نياط قلبه، وهو حبل الوريد، فدلّ هذا على أنّ عبارة: نادى قد كانت تعبيرا عن شدّة توجّهه بقلبه وكلّ نفسه لربّه في دعائه، ولم يكن بصوت عال، بل كان سرّا وخفيّا، كما هو أدب الدّعاء والذّكر.