فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 388
وهذا شبيه بتقديم صورة المشهد المصوّرة بدقّة تامّة، دون حكاية لفظيّة لها.
فخاطب اللّه عزّ وجلّ زكريا عليه السّلام بأداة النّداء"يا"لإثارة انتباهه إلى أنّ اللّه عزّ وجلّ قد نظر إلى دعائه نظر عناية، ولم يعرض عن سؤاله.
وبعد ندائه باسمه: يا زَكَرِيَّا بشّره باستجابة سؤله، فقال له: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا: فخاطبه بضمير المتكلّم العظيم الّذي يفعل ما يشاء، لإشعاره بأنّ العطاء عطاء تفضّل من الرّبّ الجليل القدير الّذي يخلق بأمر التكوين، وإذا شاء خرق نظام الأسباب، فمنح الشّيخ الهرم من امرأته العاقر غلاما لم يجعل له من قبل مثيلا في سماته وصفاته.
وأكّد له خبر البشارة بأداة التوكيد:"إنّ"و"بالجملة الاسميّة"على ما يقول البلاغيّون، لأنّ موضوع البشارة خبر مستغرب بحسب العادة.
نُبَشِّرُكَ: أي: نخبرك بما يسرّك، وهذا هو الأصل في البشارة، وقد تستعمل البشارة في الإخبار بما يسوء للتّهكّم.
بِغُلامٍ: الغلام: الصّبيّ من حين يولد إلى أن يشبّ.
اسْمُهُ يَحْيى: سمّاه اللّه عزّ وجلّ"يحيى"قبل ولادته.
لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا: أي: لم نجعل من قبله نظيرا ولا مثيلا له في صفاته وخصائصه في المخلوقات الإنسانية.
ولا يقتضي هذا أفضليّته في التكوين على من سبقه من الأنبياء والمرسلين، فالتمييز ببعض الخصائص الذاتيّة لا يقتضي الأفضليّة الكليّة.
ومن جملة الخصائص الّتي تميّز بها، أنّه حصور، يعفّ عفّة تامّة عن