فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 390
يقال: كان عمر زكريّا عليه السّلام، حين دعا دعاءه بأن يهب اللّه له وليا، قرابة خمس وتسعين سنة.
نظر زكريّا عليه السّلام إلى سنن اللّه السّببيّة، فرأى أنّ العادة جارية على أنّ العاقر لا تلد، ورأى أنّ شيخوخته بلغت من الضعف مبلغا يعجز فيه عن إتيان النساء فقال مقالته:
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ؟ أي: كيف يكون لي غلام؟. أو من أين يكون لي غلام؟. أنّى: تأتي بمعنى:"كيف"وتأتي بمعنى:"من أين"؟
وأبان سببين يمنعان بحسب العادة من إنجاب الأولاد:
السّبب الأول: أنّ امرأته كانت عاقرا، في شبابها وفي السّنّ الّتي تنجب فيه النساء عادة، فكيف بها وقد بلغت سنّ اليّأس؟!
السّبب الثاني: أنّ شيخوخته قد وصل فيها إلى طور يعجز فيه عن معاشرة النساء معاشرة زوجيّة.
فقال: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا.
فخاطبه الرّسول من الملائكة ولعلّه جبريل عليه السّلام: قالَ كَذلِكَ: أي: أنت وزوجك كما ذكرت، هي كانت عاقرا لا تلد، وأنت قد بلغت من الكبر عتيا، وجوابا على استفهامك: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ؟ سواء أكنت طالبا الفهم أم متعجّبا، اسمع يا زكريّا: قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ: أي: ليس صعبا عليّ أن أصلح امرأتك، فأجعلها صالحة لأن تحمل، وليس صعبا عليّ أن أمنحك القوّة، فتكون قادرا على مباشرة أمرأتك كما كنت أيّام قدرتك، وأن تكون مخصبا: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا أي: فانظر وقس، أَليس ما بشّرتك به أهون من خلقك، إذ خلقتك ولم تكن قبل خلقي لك شيئا، فلا تسأل ولا تعجب، إنّ ربّك على ما يشاء قدير.