فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 400
ثانيا: ما جاء في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) بشأن زكريّا وولده يحيى عليهما السّلام، وهو قول اللّه عزّ وجلّ فيها، عطفا على ذكر طائفة من المرسلين:
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (90) .
* وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ: سبق في تدبّر نصّ سورة (مريم) بيان المراد بالنداء، وأنّه عبارة عن شدّة التوجّه القلبيّ إلى اللّه في الدّعاء، وليس المراد به رفع الصّوت به على خلاف أدب الدّعاء.
وجاء في هذا النّصّ عطف وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى على: وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ وقد كان المتبادر أن تكون العبارة: وأصلحنا له زوجه ووهبنا له يحيى، ويجيب النحاة على هذا بأنّ الواو العاطفة لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، بل هي لمطلق الجمع.
أقول: هذا بيان لجواز عطف المتقدّم على المتأخّر بالواو بحسب قواعد اللّسان العربي.
لكنّ الداعي البلاغيّ هنا في هذا الإجراء هو أنّ هبة الولد هي المقصود بالدّعاء، وإصلاح زوجة زكريّا إحدى وسائل تحقيق المطلوب، فكان ذكر هبة يحيى له أولى بالتقديم في الذكر، من بيان إصلاح الزّوجة.
يضاف إلى هذا أنّ القضاء بهبة الولد يحيى له، قد تمّ بعد استجابة الدّعاء، وبعدهما جاء إصلاح زوجته، وسيلة من وسائل تحقيق القضاء.
وجاء عبارة: فَاسْتَجَبْنا لَهُ دالّة على أنّ الاستجابة جاءت عقب الدّعاء، بدليل حرف العطف"الفاء"وهذه الاستجابة تتعلّق بهبته يحيى، لا بإصلاح زوجه، فالتعبير القرآني منسجم مع الترتيب الواقعيّ، ثم جاء التنفيذ بإصلاح الزّوجة وعلوق الجنين الّذي كان قد تمّ القضاء به.