فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 401
وقد أضاف هذا النصّ من سورة (الأنبياء) أربع قضايا:
القضية الأولى: أنّ زكريّا عليه السّلام قال في دعائه لربّه: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ.
أي: ربّ لا تتركني فردا مقطوعا من الذّرّيّة الوارثة لي، الّتي ترث النّبوّة والعلم الدّينيّ، ومركز الرّبّانيّة الّذي جعلته لي في خدمة الهيكل.
وليدلّ على أنّ رغبته هذه لا تحمل معنى الاستدراك على حكمة اللّه، فيما لو شاء اللّه أن يحرمه من الذّرّيّة، أثنى على ربّه بقوله في دعائه له:
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ: أي: وأنت خير باق بعد كلّ من يموت، فإنّي لا أستدرك على حكمتك، ليقيني بأنّ حكمتك أجلّ وأعظم، فإذا شئت اخترت من عبادك من يقوم بأمر الدّين من بعدي، ولا يتوقّف الأمر على أن تهبني من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب، ويكون بقضائك وقدرك وتوفيقك رضيّا.
القضيّة الثانية: وأضاف هذا النصّ أيضا التّصريح بأنّ اللّه عزّ وجلّ استجاب دعاء زكريا فوهب له يحيى ولدا ذكرا، فقال تعالى فيه:
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى: وجاء التعبير هما مستعملا فيه ضمير المتكلّم العظيم، للدّلالة على عظمة الرّبوبيّة.
وهذا الذي جاء مصرّحا به في هذا النصّ، قد فهم باللّزوم العقليّ من النصّ الذي جاء في سورة (مريم) .
إنّ فنّيّة الأداء البيانيّ البديع اقتضت في سورة (مريم) طيّ فكرة استجابة دعائه، والاكتفاء في النصّ باقتطاع عبارة بشارته من الحدث الماضي، وتقديمها كأنّ مشهد القصّة واقع الآن، فقال تعالى فيها:
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) .