معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 491
منهما، ليمتحنهم في ظروف الحياة الدنيا، ولا بدّ أن يكون لكلّ منهم سعي مختلف عن نظرائه، وهذا السلوك المختلف هو أثر لحرّيّة الإرادة في كلّ منهم.
وبالتأمل يهتدي الفكر الملاحظ لصفات اللّه الجليلة، ومنها حكمته، وتنزّهه عن العبث في الخلق، إلى أنّ الامتحان لا بدّ أن يستتبع الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء، بالفضل أو بالعدل، وأنّه لا يمكن أن يسوّي الرّبّ العليم القدير الحكيم بين المسلمين والمجرمين، وبين من اختار في امتحانه الأعمال الصالحة، ومن اختار في امتحانه الأعمال السيئة.
ودلّ الواقع المشاهد لذوي الإرادات الحرّة الموضوعين موضع الامتحان في ظروف الحياة الدنيا، أنّهم متفاوتون في اختياراتهم تفاوتا كبيرا، فمنهم سعيه في الخير، ومنهم سعيه في الشّرّ، ومنهم سعيه مختلط، وتختلف بينهم النّسب والمقادير اختلافا لا يستطيع حصره إلّا الخالق البارئ المحيط بكلّ شيء علما، وهذا الاختلاف الكثير يتطلّب درجات ودركات من الجزاء، فمنهم من يستحقّ بفضل اللّه أن يجازى بالفردوس الأعلى من جنّات النعيم، وتتنازل المراتب والدّرجات، حتّى أدنى الجنّة. ومنهم من يستحقّ بعدل اللّه أن يجازى بالدّرك الأسفل من النّار، وتخفّ الدّركات شيئا فشيئا حتّى مستوى الضحضاح من دار العذاب يوم الدّين، وأخفّ العذاب فيها. ومنهم فريق يقتضي العدل أن يكونوا على الأعراف، إذ تساوت سيّئاتهم وحسناتهم، فالنار والجنّة تتجاذبانه بقوّتين متماثلتين، فيقف في مكان وسط بينهما، إلّا أن تتداركهم رحمة اللّه، فتدفع بهم، فيغلب جاذب الجنّة جاذب النّار، فيدخلهم اللّه في رحمته.
وهذا السّعي المختلف في الناس إنّما هو مظهر لإراداتهم الحرّة الّتي منحهم اللّه إيّاها ليمتحنهم، ومن أجل هذا وضعهم في ظروف الامتحان