معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 490
شيء، فهو سبحانه الكامل بذاته الذي لا يحتاج إلى شيء، لأنّه هو وحده الأزليّ الأبديّ بذاته وصفاته.
هذه الظاهرات الثلاث اللّاتي أقسم اللّه بها، تشتمل على أدلّة تهدي ذوي العقول الحصيفة النظيفة، إلى أن خالقها والمهيمن على الكون بربوبيته، لا بدّ أن يكون كامل القدرة، وشامل العلم، وعظيم الحكمة، فالقسم بها هو في الحقيقة قسم بما تدلّ عليه من صفات اللّه الجليلة، وأسمائه الحسنى، وهكذا كلّ ما أقسم اللّه به في القرآن من كونه العجيب.
* قول اللّه عزّ وجل: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) .
هذا خطاب موجّه لكلّ ذوي الإرادات الحرّة المسؤولين عن اختياراتهم وأنواع سلوكهم في الحياة الدنيا.
وجاءت الجملة مؤكّدة بمؤكّدات ثلاثة:"إنّ- والجملة الاسميّة- ولام الابتداء المزحلقة إلى الخبر".
شتّى: أي: متفرّقون تفرّقا شديدا، وهو جمع مفرده"شتيت"بمعنى متفرّق ومختلف. يقال لغة: أشياء شتّى، أي: متفرّقة مختلفة. وقوم أشتات: أي: متفرّقون، وأصل الشّتّ الافتراق والتفريق. ويقال: شعب شتيت، أي: مشتّت.
لقد أثبت اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية أنّ المكلّفين المخاطبين بها سعيهم مختلف متفرّق إلى حدّ التباين والتناقض، ما بين أعلى ذروات الفضائل، وأحطّ دركات الرّذائل، وهذا لا يكون إلّا إذا كانوا بخلق اللّه ذوي إرادات حرّة. بخلاف المخلوقات الّتي لم يمنحها اللّه إرادات حرّة، فإنّ سلوك كلّ صنف منها سلوك متشابه متماثل، لأنّه يخضع لنظام جبريّ ربّانيّ واحد، كالذّرّة، والنّبات، والماء، والهواء، وغيرها.
وبالتأمّل يهتدي الفكر إلى أن الإرادة الحرّة في الناس إنما وهبها لكلّ