فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 493
فآدم قد خلقه اللّه من تراب دون أب ولا أمّ، ولم يكن ذلك سببا لأن يدّعي أحد إلهيّته أو ربوبيّته، أو أنّه ابن اللّه، أو نحو ذلك من ضلالات.
ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: أي: وبعد أن صوّره اللّه من تراب، ومرّت عليه مدّة متراخية مرّ فيها بمراحل الطين اليابس، فالصّلصال المشابه للفخار، قال اللّه: كن فكان كما قدّره اللّه وقضاه.
كان الظاهر أن تأتي العبارة:"كن فكان"لا كُنْ فَيَكُونُ لكن جاء النّصّ على خلاف الظاهر، والحكمة في هذا الإشعار بأنّ آدم قد انطبق عليه القانون الرّبّانيّ العام في الخلق، وهو قانون: كُنْ فَيَكُونُ والتقدير: ثمّ قال له: كن فكان، مجريا عليه القانون العامّ في خلق اللّه لكلّ شيء: وهو قانون: كُنْ فَيَكُونُ.
* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) :
أي: هذا الّذي نتلوه عليك من القرآن، هو الحقّ المنزّل من عند ربّك، أيّها المتلّقي لهذا القرآن أيّا كنت، فلا تكوننّ من الممترين، أي:
فلا تكوننّ من الشّاكّين، ولا تكوننّ فيه من المجادلين.
مِنَ الْمُمْتَرِينَ: أي: من الشّاكين، ومن المجادلين. يقال لغة:
امترى في الشّيء، أي: شكّ فيه، والتماري والمماراة، هي المجادلة على مذهب الشّكّ والرّيبة، ويقال للمناظرة مماراة، لأنّ كلّ واحد من المتناظرين، يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه، كما يمتري الحالب اللّبن من الضّرع.
وبهذا انتهى تدبّر الدّرس الثاني مع تدبّر نصوص متعدّدة موزّعة في سور القرآن، تتعلّق بما جاء فيه بشأن مريم وعيسى عليهما السّلام.
والحمد للّه على معونته، وتوفيقه، وفتحه، إنّه الوهّاب الكريم.