فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 496
السّلام على أبيه في الدّعوة إلى دين اللّه الحقّ، وإلى نبذ اتّخاذ الأوثان وعبادتها، ونوّع له أساليب الإقناع، وقدّم له الحجج والبراهين، واستعطفه واستلانه، وتخضّع له، وترفّق به، وعاشره بإحسان، ولم يقابله بما يكره.
وحين طلب منه أبوه أن يهجره إلى حين، استجاب لطلبه، ووعده بأن يستغفر له ربّه، قبل أن يعلم أنّه مصرّ على أن يكون عدوّا للّه، فلمّا علم أنّه عدوّ للّه تبرّأ منه.
ونفهم من هذا النّصّ الذي جاء في سورة (مريم) أنّ إبراهيم عليه السّلام قد أضجر أباه في دعوته له، مقرونة بالحجج البرهانيّة المقنعة، رجاء أن يستجيب له، فيكون من المؤمنين الموحّدين النّاجين من عذاب اللّه الخالد في نار جهنّم، وأنّ الضّجر قد أوصل الأب إلى أن يهدّد ابنه إبراهيم الناصح له، والملحّ عليه بالنصيحة، وبإقامة البراهين المقنعة، فيتوعّده بالرجم، فقال له: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ أي: لأقتلنّك بوسيلة الرّجم بالحجارة.
ويظهر أنّ هذا التّهديد قد صدر من الأب وهو في حالة ضيق صدر، إذ لم يستطع أن يردّ على حجج ابنه البرهانيّة بما يزيّن تقليده الأعمى في شركيّاته، ومعلومّ أنّ ضيق الصّدر يولّد غضبا، ومع الغضب تصدر عبارات التهديد، الّتي قد تصل إلى التّهديد بالقتل.
ويظهر أنّه لمّا سكت غضبه تراجع عن التهديد بالرّجم، وطلب من ابنه إبراهيم عليه السّلام أن يهجره مدّة طويلة من الزّمن، فقال له:
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا.
المليّ: المدّة الطويلة من الزّمن.
ويظهر أن إبراهيم عليه السّلام استشعر من قول أبيه له: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا وعدا ضمنيّا بأن يراجع نفسه، ويتفكّر في الأمر، ويتّخذ تدابير