معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 507
الحفيّ بك: هو في اللّغة اللّطيف بك، الّذي يبرّك ويكرمك ويحسن إليك، ويعتني بك.
وقد وفّى إبراهيم عليه السّلام بوعده لأبيه، فسأل ربّه أن يغفر له، إذ كان يرجو أن يلين قلبه، وينبذ الشّرك، ويؤمن بالدّين الحقّ.
فلمّا تبيّن له أنّ أباه مقيم على كفره بإصرار وعناد، وأنّه عدوّ للّه تبرّأ منه، إذ لا يجوز للنّبيّ ولا للمؤمنين باللّه إيمانا صحيحا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى، إذا تبيّنوا أنّهم بعدل اللّه من أصحاب الجحيم، لأنّهم يسألون اللّه باستغفارهم لهم أمرا قضى اللّه فيه قضاء مبرما بأن لا يستجيب لمن دعاه به.
وفي استغفار إبراهيم عليه السّلام لأبيه، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول):
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) .
أوّاه: كثير الحزن، كثير الدّعاء، رحيم، رقيق القلب، كثير التضرّع إلى اللّه، مع يقينه بأنّ اللّه لا يخيّبه.
القضيّة الثالثة: قول إبراهيم عليه السّلام لأبيه، وللذين معه من أسرته الملازمين لشركهم: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ:
أي: ما دمتم ملازمين شرككم بعناد وإصرار على الباطل، ولم تعبؤا بما أنذرتكم به من عذاب اللّه للكافرين، فإنّ المنهج الدّعويّ يقتضي منّي أن أعتزلكم، وأعتزل مشاهدة ما تدعون من دون اللّه من أوثان أنتم تصنعونها بأيديكم.
أعتزلكم: أي: أبتعد عنكم وأتنحّى، يقال لغة: اعتزل فلان الشيء، واعتزل عنه، أي: ابتعد عنه، وتنحّى إلى ناحية غير ناحيته.