معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 508
وَما تَدْعُونَ: أي: وما تعبدون من أوثان بالدّعاء، وبتقديم القرابين والنّذور، وبالتّمسّح بها، والطّواف حولها، والسّجود والرّكوع لها، ونحو ذلك.
مِنْ دُونِ اللَّهِ: أي: من أشياء غير اللّه، هي بطبيعتها تقع دونه، في مقابل اتّصافه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- بالفوقيّة المطلقة، والعلوّ الذي لا يساويه ولا يدانيه علوّ.
القضيّة الرّابعة: قول إبراهيم عليه السّلام: وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) :
أي: إنّني حين أعتزلكم سأتابع مع غيركم في أيّ موقع أكون فيه عبادة ربّي، بالدّعوة إلى دينه الحقّ، ومقاومة كلّ باطل وكفر وضلال عن سبيل الهدى والرّشاد.
فعل"أدعو"أصله النداء، أي: أنادي، ثمّ صار بمعنى سؤال اللّه، ولمّا كان دعاء اللّه، من أعظم عناصر عبادته، صار يطلق الدّعاء على العبادة، ولمّا كانت دعوة الدّاعي إلى دين اللّه من أعظم عباداته لربّه، صار يطلق الدّعاء ويراد به الدّعوة إلى دين اللّه وصراطه المستقيم.
ودلّ على أنّ هذا المعنى هو المراد بقوله: وَأَدْعُوا رَبِّي قوله بعده مترجّيا: عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا: أي: عسى أن يستجيب لي مستجيبون من الّذين أدعوهم، وعسى ألّا أكون خائبا في دعوتي، فلا يستجيب لي أحد، فأحمل في نفسي، آلام عدم استجابة أحد لي، وهذا ممّا يؤلمني، ويشقيني، ويعذّبني في داخل نفسي.
شَقِيًّا: يطلق الشّقاء لغة على كلّ ما لا يسرّ الإنسان من أمور، وعلى كلّ ما يخالف رغبته ومطلوبه، في عاجل أمره أو آجله، من أدنى المزعجات، إلى أشدّ المؤلمات، حتّى العذاب الأبديّ الخالد في جهنّم.