معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 533
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: أي: إنّك وحدك يا ربّنا الكثير التوبة على عبادك المذنبين، وإنّك وحدك الكثير والعظيم الرّحمة بكلّ عبادك.
وفي هذا الثناء على اللّه معنى استجداء توبته ورحمته وغفرانه وعفوه.
إنّ إبراهيم كان في ذلك الوقت نبيّا ورسولا حتما، وكان معصوما عن المعاصي من مرتبة التقوى، وربّما كان إسماعيل كذلك في ذلك الوقت، فدعاؤهما محمول على أنّهما كانا يشعران بتقصيرهما في حقوق مرتبتي البرّ والإحسان، ويعتبران ذلك من الذنوب الّتي يجب عليهما أن يتوبا منها، عليهما السّلام.
التّوّابّ: صيغة مبالغة لاسم الفاعل"تائب".
الرحيم: على وزن"فعيل"وهذا الوزن من صيغ المبالغة أيضا.
الفقرة السّادسة: دلّ عليها: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) .
كان في تقدير"إبراهيم"عليه السّلام أنّه يؤسّس أمّة كبيرة في بلاد العرب، عن طريق ابنه"إسماعيل"عليه السّلام. وربّما علم ذلك عن طريق الوحي، أو عن طريق الإلهام، والتفرّس في الحوادث الّتي جرت له ولولده"إسماعيل"وأمّه هاجر، إذ أمره اللّه عزّ وجل بأن يأتي بهما إلى وادي مكة، ويتركهما فيه.
وأعلم"إبراهيم"ولده"إسماعيل"عليهما السّلام بذلك، وأدركا أنّ هذه الأمّة ستنسى تعليمات ومفهومات الدّين الّتي يعلّمهم إياها إسماعيل، وأنّها ستدخل إليهم شركيّات ومفهومات باطلات، فتوجّها بالدّعاء للّه ربّهما بأن يبعث فيهم رسولا منهم، يتحلّى بالصفات الّتي ذكراها في دعائهما.
وربّما كانت صيغة هذا الدّعاء قد جاءتهما بوحي أو إلهام من اللّه،