معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 541
في هذا النصّ يأمر اللّه عزّ وجلّ رسوله فكلّ مؤمن به وبما أنزل اللّه عليه في الرّسالة الخاتمة، أن يعلن إيمانه بما أنزل اللّه على رسله السّابقين، وأن يعلن أنّه لا يفرّق بين أحد من الرّسل وبين غيره في الإيمان، أمّا التطبيقات الإسلاميّة العمليّة فهو فيها وكذلك سائر المؤمنين مسلمون للّه مستسلمون، متّبعون فيها لأوامره ونواهيه، وفق آخر بيان ينزّله للعمل به، دون تشبّث بما كان أنزل من قبله من أحكام وتكاليف وأوامر ونواهي، وتتعلّق بأنواع السّلوك العمليّ الجسديّ والنفسيّ.
وتحليل الآية (84) في هذا النّصّ قد سبق نظيره لدى تحليل الآية (136) من سورة (البقرة) تحت عنوان"النصّ التاسع"بفارق أن الآية (136) التي من سورة (البقرة) قد جاء فيها: وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وكذلك بالنسبة إلى سائر الرسل المذكورين فيها. أمّا الآية (84) التي من سورة (آل عمران) فقد جاء فيها: وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وكذلك بالنسبة إلى سائر الرّسل المذكورين فيها. والغرض من هذا التنويع الإشارة إلى أنّ بعض ما أنزل اللّه من بيانات في رسالاته لعباده هي من قبيل التعليم النافع لهم دون أن يكون مقترنا بتكليف في أمر أو نهي، وهذه يلائمها من التعبير عبارة:
وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا. وأنّ بعضها الآخر قد اشتمل على تكاليف في أمر أو نهي، وهذه يلائمها من التعبير عبارة: وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا إذ في حرف"على"معنى الاستعلاء الملائم للتكاليف الرّبّانية.
على أنّ استعمال حرف"إلى"في سائر النصوص القرآنيّة المشابهة، تشمل دلالته النّصوص البيانيّة التعليميّة الّتي ليس فيها تكاليف بأمر أو نهي، والنّصوص البيانية التكليفيّة الّتي فيها أمر ونهي، ويلاحظ حينئذ في معنى"إلى"أنّ ما أنزل إلى العباد من ربّهم ولو كان تكليفا، هو لخيرهم وسعادتهم ومصالح حياتهم في الدّنيا، ولتحقيق سعادتهم يوم الدين، يوم الخلود والبقاء.