معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 572
وكان من الحكمة الإجرائيّة الفصل بين المقدّمات التّمهيديّة، وبين موضوع السورة الرئيس، بدرس اعتراضيّ يعالج قضيّة طرحها الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم على جبريل أمين الوحي عليه السّلام، إبّان تنزيل السّورة، إذ قال له:"ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا"؟!
فأنزل اللّه عزّ وجلّ آيتي هذا الدّرس من دروس السورة.
أخرج البخاريّ وغيره عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل:
"ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا"؟!
فأنزل اللّه عزّ وجلّ قوله حكاية لما قاله جبريل للرّسول:
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) .
التدبّر:
* وَما نَتَنَزَّلُ: أي: وما ننزل نحن الملائكة حينا فحينا آخر، أو ثمّ حينا آخر بتمهّل وأناة.
يقال لغة: تنزّل: أي: نزل في مهلة دون استعجال.
وفي هذا إشارة إلى أنّ أوامر اللّه عزّ وجلّ مقدّرة بأوقات معلومة، فلا يوجّهها لملائكته للقيام بما يكلّفهم إيّاه إلّا في أوقاتها المحدّدة، الّتي لا يحتاجون معها لأن يستعجلوا، فهم يتنزّلون بتمهّل على وفق أوامر الرّبّ جلّ جلاله، إذ لا يخافون التأخير، نظرا إلى أنّ مدّة التّنزّل محسوبة، وأنّ الزّمن لتأدية الوظيفة محدّد ومعلوم، فكلّ شيء يتمّ في وقته المقدّر له.