فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 504

وما لأحد عنده من نعمة كان قد أنعم بها عليه، فهو يكافئه ويجازيه على نعمته، من الّذين يبذل لهم ما يجب عليه أن يبذله من ماله للفقراء والمساكين وذوي الحاجات.

فإن كان ببذله لما يجب عليه أن يبذله من ماله مكافئا صاحب نعمة عليه، فإنّه لا يعتبر مؤدّيا ما فرض اللّه عليه في ماله، فلا يتحقّق بكمال التقوى، ولا يوصف بوصف الأتقى الّذي يؤتي ماله يتزكّى، إذ لا يصحّ أن يكافئ باذل المال ذا نعمة على إنعامه عليه، ويحتسبه من الصّدقة الّتي يبتغى بها وجه اللّه، كما لا يصحّ أن يدفع أجرة عامل يعمل عنده، ويحتسبها من الصّدقة الّتي يجب عليه أن يبذلها.

إنّ صدقة المال لا يصحّ أن تكون إلّا ابتغاء وجه اللّه عزّ وجل، وقد جاء بيان هذه الحقيقة الدينيّة مع أوائل التّنزيل، للتنبيه على ضرورة كون العمل الديني خالصا لوجه اللّه تعالى، ولا سيما كون هذا البيان قد كانت له مناسبة كما ذكر المفسّرون، وهي أنّ أبا بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه لمّا أعتق بلالا رضي اللّه عنه قال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك إلّا ليد كانت لبلال عنده، فبرّأ اللّه أبا بكر من هذا، بأسلوب الإيماء، وأثنى على أبي بكر بأنّه يدخل في عموم الأتقى، إيماء لا تصريحا.

* قول اللّه عزّ وجلّ: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) .

(إلا) هنا بمعنى"لكن"أي: وما لأحد عنده من نعمة تجزى، لكن يؤتي ماله ابتغاء وجه ربّه الأعلى، وجاء وصف الرّبّ بوصف الأعلى لدفع توهّم إطلاق كلمة"ربّ"بمعنى المنعم الذي يشمل المنعم من الناس في لغة العرب، فالمرحلة التي نزلت فيها السّورة مرحلة مبكّرة، ولم يثبت بعد في أذهان الناس تخصيص الرّبّ باللّه الخالق جلّ جلاله، مع ما في ختم الآية بلفظ (الأعلى) من فنّيّة مراعاة رؤوس الآيات في السّورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت