معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 628
تمهيد:
في هذا الدّرس بيان غرض من أغراض المشركين، في عبادتهم لآلهتهم، وهو أنّ يكونوا لهم سبب قوّة وانتصار على أعدائهم في حروبهم، ومعالجتهم بتيئيسهم من تحقيق هذا الغرض، فسيجدون أنّ آلهتهم لم تنفعهم بنافعة، ولم تعطهم عزّة ولا قوّة ولا شيئا من النّصر، فيكافرون بآلهتهم، ويكونون عليهم ضدّا.
إنّ معظم المشركين كانوا يعبدون آلهتهم من دون اللّه، ويجعلون لها تماثيل ترمز إليها، ويتوجّهون لعبادة هذه التّماثيل الرّموز، وهم يقصدون من ترمز إليه، لتحقّق لهم آلهتهم بتقرّبهم إليها بالدّعاء، وبأشكال من العبادات، ومنها ذبح القرابين لها، بعض مطالب حياتهم، ومن هذه المطالب أن تنصرهم على أعدائهم، وأن تكون لهم عزّا، أي: قوّة غالبة لأعدائهم، اعتقادا منهم بأنّها قادرة على نصرهم، وعلى منحهم العزّة بمعونات وتصاريف غيبيّة.
ومعلوم أنّ المعونات والتصاريف الغيبيّة هي من خصائص ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه، فهي لا تكون لغيره، ولا يكون شيء منها لغيره، ولا يشاركه فيها أحد غيره.
فالمشركون إذن يعتقدون أنّ آلهتهم تفعل لهم أشياء هي من خصائص ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله، وهذا من الإشراك في ربوبيّة اللّه ببعض ما هو من خصائص الرّبّ، غير خلق السّماوات والأرض الذي كان المشركون في الجاهليّة العربيّة يعتقدون انفراد اللّه به، وأنّه لا شريك له فيه.
وقد سبق في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول) بيان أنّ المشركين يرجون من عبادتهم آلهتهم من دون اللّه، أن تنصرهم على أعدائهم، فقال اللّه عزّ وجلّ فيها: